«أطلِق سراحَ أبي

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

متى كانت آخر مرة شاهده فيها أحد يحرك عضلة واحدة في ساقيه أبدا. أهذه صدفة تعالى الهمس من جديد. بدأ الناس ينهضون بعضهم ليرى أوضح وآخرون ليندفعوا خارج القاعة ويتصلوا بمن يعرفونهم. كان واضحا أن ما جرى سينتشر في المدينة خلال دقائق.

أما والتر فبقي جامدا لكن ليس بسبب شلله هذه المرة بل بفعل خوف صرف. كان ينظر إلى ساقه كأنها شيء غريب لا ينتمي إلى جسده. كانت يداه ترتعشان بعنف فوق مسندي الكرسي. بقيت سيسيليا ساكنة في مكانها. واقفة أمامه ذراعاها إلى جانبي جسدها وملامحها هادئة رغم الدموع المتلألئة على وجهها.

كان في حضورها ما يتجاوز الطفولة حكمة صامتة وثقة عميقة لا تليق بسنها. سيدي القاضي قالت بخفوت لا يسمعه إلا هو وسط الفوضى. لا تخف. كل شيء بخير. لكن والتر كان خائفا خوفا بالغ العمق لأن هذا يعني أن كل ما آمن به والبناء كله الذي شيده بعد الحادث بدأ ينهار.

إذا كانت هذه الطفلة قادرة على ما لا يصدق فماذا أيضا أخطأ في رفضه واعتباره مجرد أوهام كم حقيقة أخرى تجاهلها باسم القسوة والصرامة دوى صوت كاتب المحكمة في الفوضى النظام! النظام في القاعة! سيدي القاضي ما الذي ترغب أن تقرره الآن التفت الجميع إلى والتر ينتظرون إجابته لكنه لم يستطع النطق.

كان حلقه مغلقا وعقله دوامة من الأفكار المتعارضة. في تلك اللحظة تكلم رودريغو من قفص الاتهام. كان صوته مكسورا لكنه مفعم بانفعال خام صادق فأسكت القاعة سيسيليا يا ابنتي لست مضطرة لهذا. أنا أقبل بالعقوبة. أخطأت وسأدفع ثمن ما فعلت. لكنك لست مضطرة إلى أن تهاني أكثر.

توقف لحظة والدموع تهطل على وجهه أمك أمك لم تكن لتقبل بهذا. لم تكن لترضى أن تمري بكل هذا. كانت ذكرى الأم كخنجر في قلب سيسيليا. استدارت ببطء نحو والدها ولأول مرة منذ دخولها القاعة بدأت شجاعتها بالتصدع. لكني وعدت أمي قالت بصوت متقطع.

قبل أن ترحل وعدتها أن أعتني بك وأن لا أدع أحدا يأخذك مني. انفجر رودريغو في بكاء مرير منحنيا على نفسه. الحراس خففوا قبضة أيديهم عليه وقد تأثروا هم أيضا بالمشهد. نهضت الجدة أخيرا من مقعدها بصعوبة واضحة في ساقيها وتقدمت نحو حفيدتها ووضعت يديها على كتفيها الصغيرين حبيبتي قالت بنبرة مكسورة لقد فعلت ما يكفي حاربت بما يتجاوز طاقتك.

لا أحد يملك الحق أن يطلب منك أكثر. لكن سيسيليا هزت رأسها بإصرار أستطيع يا جدتي. أنا أعرف أنني أستطيع. كل ما أحتاجه أن يصدقني القاضي قليلا فقط. التفتت من جديد إلى والتر. كان الرجل لا يزال جامدا يتصبب عرقا ينظر إلى ساقه التي خانت سنوات من الجمود.

سيدي قالت وهي تقترب خطوة أخرى هل سبق لك أن شعرت بفقدان شخص تحبه جاء السؤال مباغتا له. رفع بصره إليها والتقت العيون. كان في نظرتها شيء ينزع كل دفاعاته. نعم أجاب هامسا. نعم شعرت بذلك. إذن أنت تعرف تابعت هي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان