«أطلِق سراحَ أبي

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

تقدم إلى المنصة دون مساعدة وحدق طويلا في الوجوه أمامه وجوه من أدانهم سابقا وجوه من أنقذهم لاحقا وجوه من سامحوه ومن حكموا عليه في قلوبهم. قبل عام قال بصوت مفعم بالتحكم لكن مشحونا بالعاطفة كنت رجلا محطما. محطما جسديا لكن قبل ذلك روحيا وأخلاقيا.

سمحت لألمي أن يحولني إلى ما لم يكن ينبغي أن أكونه أبدا قاضيا بلا رحمة إنسانا بلا أمل. نظر مباشرة إلى سيسيليا ثم جاءت طفلة في الثامنة وذكرتني بشيء نسيته أن القوة الحقيقية ليست في عدم الانحناء بل في القدرة على التغير على الإيمان من جديد على رؤية ما وراء الظاهر للعثور على الاستثنائي في كل إنسان.

ارتجف صوته قليلا لم تجعلني سيسيليا أمشي فقط علمتني أن أسير من جديد في الحياة بكرامة بتعاطف بإنسانية. ولن أستطيع شكرها أبدا بما يكفي. التفت إلى الحضور لكن اليوم ليس عني بل عنا جميعا. عن ما نفعله بالفرص الثانية التي نمنحها. كل من هنا تلقى فرصة ثانية بشكل من الأشكال.

أنا تلقيتها رودريغو تلقاها كل من لمسته هذه القصة تلقى فرصة لإعادة النظر. رفع يديه كأنه يحتضن القاعة بنظره والسؤال هو ماذا سنفعل بها هل سنعود إلى طرقنا القديمة حين لا يرانا أحد أم سنختار كل يوم أن نؤمن بأن الناس أكثر من أسوأ أخطائهم أن الخلاص ممكن وأن الحب أقوى من الحكم ساد صمت مقدس.

أنا اخترت أن أؤمن قال والتر أخيرا وصدى كلماته يتردد. وطالما بقيت على هذا المنبر وطالما استطعت المشي إلى هذه القاعة سأذكر نفسي دائما بالطفلة التي ركعت أمامي وعلمتني أن المعجزات تحدث عندما نجرؤ على الإيمان بالمستحيل.

لم يصفق أحد فورا. بعض الحقائق أكبر من أن تستقبل بالتصفيق. تحتاج إلى أن تهبط أولا كغبار من ذهب على أرواح عطشى. ثم بعد لحظات بدأ شخص واحد بالتصفيق ثم آخر ثم ثالث حتى نهض الجميع واقفين يصفقون ليس فقط لوالتر بل لكل ما تمثله تلك اللحظة التغيير الغفران الأمل.

ركضت سيسيليا نحو والتر ووقفت بجانبه ورفعت نظرها إليه والدموع تلمع في عينيها. انحنى هذا القاضي الطويل الذي تعلم أخيرا أن يقترب من قلوب الناس وربت على كتفها بحنان صادق. وانضم إليهما رودريغو فوقف الثلاثة في وسط القاعة متجاورين في المكان ذاته الذي شهد قبل عام على السخرية والمهانة.

هذه المرة كان المكان يشهد على شيء لا قانون يحيط به الحب الإيمان الخلاص. في اليوم التالي تصدرت صورة هذا العناق الصفحات الأولى في الصحف. انتشرت حول العالم ألهمت الملايين وأثارت نقاشات وغيرت سياسات. لكن بالنسبة إلى سيسيليا ورودريغو ووالتر لم يكن الأمر عن الشهرة أو الأضواء.

كانوا يعرفون أن ما أثبتوه للعالم هو شيء واحد أن المستحيل لا يزال موجودا لمن يملك الجرأة على الإيمان. أن العدالة بلا حب فراغ وأن الحب بلا عدالة ضعف. وأن التوازن بينهما هو حيث يسكن المعجز.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان