«أطلِق سراحَ أبي

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

ومن المصادفات أنه المستشفى ذاته الذي أجري فيه جلسات العلاج الطبيعي ثلاث مرات أسبوعيا لأستعيد قوة ساقي. توقف لحظة سنلتقي كثيرا إذن وسأتابع تقدمك بنفسي. ليس كقاض يراقب مجرما بل كرجل يؤمن بالخلاص لأنه هو نفسه اختبره.

ساد صمت مفعم بالعاطفة. لم يعد هناك ما يقال. كل شيء قد قيل وكل شيء قد تغير. تحولت الأسابيع إلى أشهر. اختفى الخريف ليأتي الشتاء ثم جاءت بدايات الربيع الخجولة. في هذا الوقت كانت حياة الأشخاص الثلاثة الذين جمعهم ذلك اليوم المعجز تتغير بطرق لم يتخيلوها.

كان رودريغو يؤدي عقوبته بإخلاص أدهش مشرفيه. يصل إلى مستشفى ساو فيسنتي قبل الفجر أحيانا ويغادر بعد غروب الشمس. يعمل في قسم الأورام يساعد الممرضين يتحدث مع المرضى يواسي العائلات التي حطمها التشخيص الذي يعرفه جيدا. واكتشف شيئا لم يتوقعه المعنى.

في كل مرة يمسك فيها يد أب مذعور أو يواسي أما تلقت خبرا قاتلا كان يشعر أنه يرد للعالم شيئا مما سلبه سابقا. لم يكن هذا يمحو خطأه لكنه كان يحول ألمه أداة لشفاء الآخرين.

في إحدى الأمسيات وهو يتحدث مع رجل زوجته في المرحلة الأخيرة من المرض حكى له رودريغو قصته أجهش الرجل بالبكاء ثم قال له شكرا لأنك ما زلت هنا . لأنك تثبت لي أنني قد أتمكن من النجاة من هذا أيضا.

في تلك اللحظة أدرك رودريغو أن خلاصه لا يكمن فقط في سداد الدين المالي بل في استخدام جراحه لمداواة جراح غيره. أما سيسيليا فعادت إلى المدرسة بعد أسابيع من الغياب. تغير تعامل زملائها معها. البعض نظر إليها بإعجاب والبعض بفضول وقلة بحسد.

لكنها بقيت هي نفسها الطفلة اللطيفة التي تفضل اللعب مع من يتجنبهم الآخرون. لاحظت معلمتها شيئا خاصا فيها حكمة وتعاطف يتجاوزان عمرها. حين ضبط أحد التلاميذ يسرق وجبة زميله همت المدرسة بمعاقبته بسرعة لكنها توقفت.

تذكرت قصة سيسيليا وسألت الصبي أولا لماذا فعلت ذلك اعترف الصغير بخجل أن لا طعام في البيت. وأن والديه بلا عمل. وأنه كان جائعا. لم تطرده المدرسة بل نظمت حملة غذائية لأسرته وسجلته في برنامج التغذية المجانية.

بكى الصبي من شدة الامتنان ولم يسرق بعدها شيئا. عانقت سيسيليا معلمتها بعد ذلك وهمست هل تعلمت ما تعلمته أنا أن لكل شخص حكاية أجابت المعلمة بعينين دامعتين نعم تعلمته منك أنت. أما والتر فقد عرف التحول الأعمق على الإطلاق. جسديا كانت عودته للمشي تدريجية ومؤلمة.

جلسات العلاج الطبيعي كانت قاسية لكنه تحملها لا ليعود إلى المشي فقط بل لأن كل خطوة كانت رفضا جديدا لمرارة الماضي. اتصل بزوجته السابقة وهو أمر أقسم أنه لن يفعله يوما. التقيا في مقهى هادئ. لأول مرة منذ سنوات اعتذر اعتذارا حقيقيا لا كلاما فارغا.

اعترف لها كيف مزقته مرارته وكيف صب قسوته عليها وعلى كل من حوله وكيف اختار الظلام بدلا من محاولة البحث عن بصيص نور. بكت هي. بكى هو. لم يعودا زوجين فبعض الأشياء حين تنكسر لا تعود كما كانت. لكنهما تصالحا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
332مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان