ما إن غادر زوجي في رحلة عمل

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

لم أستطع أن أرفع عيني عن ذلك الجحيم الذي كان قبل دقائق فقط منزلنا. اهتز هاتفي في يدي. رسالة جديدة وصلت للتو. آمل أن تكوني أنتِ وابننا نائمين جيدًا. أحبكما. نظرت إلى الشاشة ثم إلى البيت المحترق. وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة المرعبة.

لو لم أصدق ابني في المطار لكنا الآن داخل ذلك المنزل. نائمين في أسرّتنا. يحترق كل شيء ونحن معه. وأدركت بشعور غثيان قاسٍ أن الخطر لم ينتهِ. وصول رجال الإطفاء كان سريعًا، وأضواء سياراتهم كانت تومض بين الأشجار. خرج الجيران إلى الشارع بملابس النوم والدهشة على وجوههم.

سمعت أحدهم ينادي اسمي، لكنني بقيت في الظل. لم أستطع الحركة. كان جسدي كأنه تحوّل إلى حجر. التصق ابني بجانبي، يبكي بصمت يحاول أن يكون قويًا من أجلي. راقبت النــ,,ـــــار وهي تلتهم البيت وكأنها كائن حي. انفجرت نوافذ الطابق العلوي بصوت حاد.

النــ,,ـــــار كانت تقترب من غرفة ابني. انهارت ركبتاي وسقطت على الأرض الباردة. في تلك اللحظة، أدركت أن زوجي كان يصنع عذرًا مثاليًا بينما كان من المفترض أن نحترق داخله. كان بعيدًا، في مدينة أخرى يضمن أن قصته ستكون نظيفة. انقلبت معدتي وتقيأت في الشارع.

ذلك النوع من الألم الذي يأتي عندما تدرك أن حياتك كلها كانت كذبة. ربت ابني على ظهري بخفة. أنا آسف يا ماما همس. مسحت فمي واحتضنته بقوة. لا أنت أنقذتنا. ماذا سنفعل الآن؟ سألني بصوت مرتجف. لم يكن لدي جواب.

السؤال لم يكن فقط أين سننام الليلة بل من يمكننا الوثوق به بعد الآن؟ لو اتصلت بالشرطة الآن ماذا سأقول؟ زوجي في مدينة أخرى ولديه حجة مثالية. الناس يحبونه. يرونه الرجل المثالي صاحب الأعمال الخيرية الصور الجميلة الابتسامة الدائمة.

سينظرون إليّ وكأنني فقدت عقلي. سيقولون إن الصدمة جعلتني أتوهم. ثم سيتصلون به ليأتي ويأخذني. تجمّد الدم في عروقي عند الفكرة. أجبرت نفسي على التنفس ببطء. كنت بحاجة لمساعدة خارج دائرته. وهنا عاد صوت أبي إلى ذهني.

قبل عامين، في غرفة مستشفى في وسط عمّان، أمسك بيدي بقوة غريبة وقال أنا لا أثق بزوجك. ضحكت يومها. بابا، كفى هو يعتني بنا. لكنه لم يبتسم. نظر إليّ طويلًا، ثم قال إذا احتجتِ مساعدة حقيقية يومًا اتصلي بهذه. ووضع بطاقة في يدي.

احتفظت بها رغم شعوري بالذنب. والآن تذكرت. لم تكن البطاقة معي. لكن الرقم كان محفوظًا في ملاحظاتي. ارتجفت يداي وأنا أضغط على الاتصال. رنّ الهاتف. مرة مرتين وفي الرنة الثالثة، ردّت امرأة بصوت حازم مكتب المحامية سارة. قلت بسرعة أنا آية ابنة محمود أحتاج مساعدة أعتقد أن زوجي حاول .

ي أنا وابني. صمت طويل. ثم قالت بهدوء مختلف ابنة محمود أين أنتِ الآن؟ نظرت حولي. منزلي يحترق في دابوق. سألت هل تستطيعين القيادة؟ نعم. قالت بصرامة اركبي السيارة فورًا. لا تتحدثي مع أحد. تعالي إلى هذا العنوان. ثم أضافت ولا تردّي على أي اتصال.

وصلنا إلى مكتبها في حي قديم. فتحت الباب قبل أن أطرق. أدخلتنا بسرعة وأغلقت الباب بثلاثة أقفال. ذلك الصوت منحني أول شعور بالأمان منذ ساعات. وضعت ابني على الأريكة. جلست أمامها وبدأت أحكي كل شيء. استمعت دون أن تقاطع.

ثم قالت أبوك كان محقًا. أخرجت ملفًا. قبل ثلاث سنوات، استأجر محققًا خاصًا. فتحت الأوراق. زوجك غارق في الديون قمار وأشخاص خطرون. شعرت ببرودة في جسدي. وأموالي؟ نظرت إليّ انتهت كلها. اختنق صوتي وماذا الآن؟ قالت هو مدين بمبالغ كبيرة والطريقة الوحيدة للخروج كانت أنتِ. تأمين حياة. توقفت أنفاسي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
صاصو صاصو

صاصو صاصو موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
323مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان