ضاق حلقهلا بسبب الغضب بل بسبب الحزن على كل ما فاته. لاحظ أطفاله وجوده أولا. ركضت ليلي نحوه تبعها إيثان بشوق لم يعرفه في نفسه من قبل. نظر إلى روزا فوجدها واقفة بصمت غير متأكدة إن كان ما تفعله خطأ. هز رأسه ببطء وقال بصوت مرتجف شكرا.
رمشت روزا بدهشة. على ماذا يا سيد كول قال لأنك منحت أطفالي ما لم أستطع أنا منحه. لم تجب لم تكن بحاجة لذلك. في تلك الليلة جلس أدريان وحيدا في المطبخ بعد أن نام الأطفالالمكان ذاته الذي كان يعبره كل صباح بلا انتباه.
وفهم بوضوح مؤلم النمط الذي ظنه أبوة وفر. احم. كرر. اعتقد أن الحب يعني ضمان ألا ينقصهم شيء مادي. لكن الأطفال لا يقيسون الحب بما يشترى. يقيسونه باللحظة. بالضحكة. بالنظرة. وبالكتف الذي يمكنهم الاتكاء عليه. وبينما كان هو يبني ناطحات سحاب كانت روزا تبني طفولتهم.
ومع مرور الوقت بدأ يقضي المزيد من بعد الظهر في المنزل يتعلم الحياة التي أنشأتها روزا تمارين البيانو خبز الكعك الفوضى الفنية الصراخ المرح الذي ارتد في الممرات التي كانت صامتة. وذات يوم بعد أن نامت ليلي على الأريكة شاركته روزا جزءا من ماضيها.
قبل سنوات فقدت طفلها الوحيدماتيوفي دــ,,ـــــادث مأساوي. غمر الحزن حياتها. انتقلت من مدينة لأخرى وتغيير الوظائف تحاول الهرب من ذاكرة لا ترحل. حتى التقت بإيثان وليلي. قالت بصوت خافت الاعتناء بهما لم يعد طفلي لكنه ساعدني على التنفس من جديد. شعر أدريان بانقباض في صدـ,,ـــرهليس شفقة بل فهما.
كانا شخصين فقدا الكثير ويتعافيان تحت سقف واحد دون أن يدركا. لم يكن الأطفال وحدهم من وجدوا الراحة بل روزا أيضا وجدت معنى جديدا. ولم يعد البيت بحاجة للكمال ليكون بيتا. لم يحدث التغيير فجأة ولم يكن عبر لفتات ضخمة. بل عبر قرارات صغيرة متكررة إطفاء الهاتف أثناء العشاء.
قراءة القصص بدلا من توكيلها. السماح للفوضى أن تكون جزءا من الحياة. الحضور كأب لا كرجل أعمال. سرعان ما حلت رسومات الأطفال محل اللوحات المجردة. وتحولت طاولة الطعام إلى مكان يجمع الذكريات لا الزينة. وأصبحت الثريا تعكس أطفالا يرقصون بدلا من ضيوف رسميين.
صار القصرذلك البناء البارد اللامع المصقول الذي لطالما بدا كأنه معرض فني أكثر منه مكانا للعيشبيتا حقيقيا تنبض زواياه بروائح الخبز الحلو وتختلط فيه رائحة الفانيلا بالضحكات الصغيرة التي تصعد إلى السقف مثل دعاء. لم يعد الصمت سيد المكان ولم تعد الأرضية اللامعة شاهدة على خطوات وحيدة.
كان الضوء أدفأ والجدران أقل تشددا والهواء أخف وأكثر سماحا للفرح بأن يمر دون أن يصطدم بشيء. صار البيت حيا كأنه استعاد روحه التي فقدها يوم فقدت الأسرة أمها. وفي ذلك التحول تغير أدريان هو أيضا.
لم يعد يرى نفسه في مرايا القصر كرجل أعمال ولا كرجل يصنع ثروات ويوقع عقودا ويظهر في المجلات. صار ينظر إلى نفسه بطريقة واحدة فقطوبفخر لم يعرفه من قبل والد إيثان وليلي هذه الجملة البسيطة التي كان يعتبرها تفصيلا من تفاصيل هويته أصبحت الآن تاجا على رأسه ووساما على صدـ,,ـــره.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعر أن النجاح لا يقاس بما يملكه الإنسان بل بما يعود إليه حين يغلق الباب خلفه. وفي مساء هادئ عاد أدريان من عمله أبكر مما اعتاد ودون أن يصدـ,,ـــر صوتا وقف عند باب غرفة الطعامالمكان الذي بدأ فيه كل شيء يتغير.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.